نخبة من الأكاديميين

795

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

طرق العمل ونتائجها . عندما تُرجِمت الأعمال اليونانية في بغداد ، انطلاقاً من بداية القرن التاسع ، كان لا بد من خلق تقليد في البحث العلمي باللغة العربية في جميع ميادين العلوم الصحيحة ، بما فيها علم الفلك . ففي ذلك العصر كان هذا العلم متوقِّفاً في حوض البحر الأبيض المتوسط منذ قرون عديدة ؛ فلم تكن هناك سوى بضعة أرصادٍ منفصلة سجلت بين القرنين الثالث والثامن ؛ والذين كتبوا بعد بطلميوس باللغة اليونانية ، لم يكونوا إجمالًا سوى شرّاح . كان هناك ، إذاً ، انقطاع في تقليد ممارسة هذا العلم . وعندما جرى العمل لإحيائه في بغداد في عهد المأمون ، كانت مصادر العمل المكتوبة بالطبع هلّينستية ، فكان لا بد إيجاد الأسس والطرق التي توافق هذا العلم ، وبالتالي إنشاؤها من جديد . وكانت نتيجة هذا العمل إصلاحاً محسوساً جداً للنموذج الهللينستي . وقد ارتبط مجمل التطور اللاحق لعلم الفلك العربي بنقطة الانطلاق هذه ؛ وسنُقدِّم فيما يلي ثلاثة مميزات أساسية لهذا الإصلاح : 1 - أهمية الأرصاد وعلاقة الذهاب والإياب الثابتة بين النظرية والأرصاد : منذ إنشاء المرصدين الأولين في بغداد ودمشق ، أصبح البرنامج محدَّداً للغاية . وفي دمشق ، كما رأينا ، كانت هناك سنة من الرصد اليومي المتواصل للشمس والقمر ، من العام 831 إلى العام 832 . وهذا ما أدى لاحقاً إلى إنشاء مراصد كبرى تُجري أرصاداً متواصلة على امتداد عددٍ كبير من السنين ، وذلك انطلاقاً من المرصدين الأوّلين في بغداد ودمشق ، مروراً ، بمرصد مراغة في القرن الثالث عشر ، ووصولًا إلى مرصد سمرقند في القرن الخامس عشر . نشير إلى أنّه لم يكن هناك تقليدٌ في الرصد المتواصل في علم الفلك الهللينستي ، ولا نجد عند بطلميوس الّا نتائج أرصادٍ متفرقة . هذا التقليد في الرصد المتواصل وضعه علماء الفلك العرب في بغداد منذ إنطلاقة عملهم . 2 - تطوير " ترييض " علم الفلك : بدأ ترييض علم الفلك أي إعطاؤه منحنىً رياضياً ، يتطوّر بقوة ابتداءً من ذلك العصر ، وبدأ الجانب التجريبي ، الذي كان لا يستهان به في أعمال بطلميوس ، يتقلّص يوماً بعد يوم . وقد تواصل هذا العمل ، بشكل منهجي ، على أيدي علماء كالبيروني بعد قرن ونصف من الزمن ، وشكّل أحد أسس التطور العلمي لمجمل المدرسة الشرقية في علم الفلك العربي [ Rashed 1991 ] . وفي إطار هذه الحركة يندرج أيضاً تطوُّر علم المثلثات الكروي ، الذي اعتُبِر في البداية مساعداً لعلم الفلك ، والذي يسمح باستبدال الحساب الهلّينستي ، القائم على استخدام أوتار القوس الثقيلة ، بحساب أكثر مرونة وخصوبة ، قائم على استخدام " الجيوب " الهندية الأصل . 3 - إبراز العلاقة بين علم الفلك الفيزيائي وعلم الفلك الرياضي : إنّ علاقة التعارض بين علم الفلك " الفيزيائي " الذي يسعى إلى تحليل حقيقة الكون الفيزيائي ، وعلم الفلك " الرياضي " الذي يهدف إلى التحليل النظري لحركة الكواكب ، كانت أيضاً أحد محرّكات تطوّر علم الفلك . نقرأ هذا التعارض عند بطلميوس عندما نقارن بين عمليه الأساسيين في علم الفلك النظري ، أي " المجسطي " و " كتاب